السيد عبد الله شبر
479
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
ووحدة الإحاطة بكلّ شيء ، ووحدة الحكم على كلّ شيء ، ووحدة يصدر عنها الآحاد فيالموجودات والكثرة فيها ، وإلى وحدة مستفادة ، وتلك وحدة المخلوقات . وربّما نقول : الوحدة على الإطلاق تنقسم إلى : وحدةٍ قبل الدهر ، ووحدة مع الدهر ، ووحدة بعد الدهر ، وقبل الزمان ، ووحدة مع الزمان ، والوحدة التي هي قبل الدهر هي وحدة الباري جلّ شأنه ، والوحدة التي مع الدهر وحدة العقل الأوّل ، والوحدة التي بعد الدهر هي وحدة النفس ، والوحدة التي مع الزمان هي وحدة العناصر والمركّبات . وربّما تنقسم الوحدة قسمة أخرى فنقول : الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات ، ووحدة بالعرض ؛ فالوحدة بالذات ليست إلّالمبدع الكلّ الذي يصدر منه الوحدانيّات في العدد ، والمعدود ، والوحدة بالعَرَض تنقسم إلى ما هو مبدأ العدد وليس داخلًا في العدد وإلى ما هو مبدأ العدد وهو داخل فيه ، والأوّل كالواحديّة للعقل الفعّال ؛ لأنّه لا يدخل في العدد والمعدود ، والثاني ينقسم إلى ما يدخل فيه كالجزء له ، فإنّ الاثنين إنّما هو مركّب من واحدين ، وكذلك كلّ عدد مركّب من آحاد لا محالة ، وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة الوحدة إليه إلى أقلّ ، وإلى ما يدخل فيه كاللازم له لا كالجزء فيه ، وذلك لأنّ كلّ عدد ومعدود لن يخلو قطّ من وحدة تلازمه ، فإنّ الاثنين والثلاثة في كونهما اثنين وثلاثة وحدة مكرّرة ، وكذلك المعدودات من المركّبات والبسائط واحدة ، إمّا في الجنس أو في النوع أو في الشخص ، كالجوهر في أنّه جوهر على الإطلاق ، والإنسان في أنّه إنسان ، والشخص المعيّن مثل زيد في أنّه ذلك الشخص بعينه واحد ، فلم تنفكّ الوحدة من الموجودات قطّ ، وهذه وحدة مستفادة من وحدة الباري تعالى ، لزمت الموجودات كلّها ، وإن كانت في ذواتها متكثّرة ، وإنّما شرف كلّ موجود لغلبة الوحدة فيه ، فكلّما كان أبعد من الكثرة فهو أشرف وأكمل « 1 » . ومن المتأخّرين منهم الشيخ الرئيس ، قال في فصوله : فصلٌ : الأوّل تعالى لا يتكثّر لأجل تكثّر صفاته ؛ لأنّ كلّ واحد من صفاته إذا تحقّق تكون الصفة الأخرى عينها
--> ( 1 ) . الملل والنحل ، ج 2 ، ص 74 - 75 .